السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

723

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وقد تمحّل في الآيات أكثر المفسرين بجعلها نازلة في خصوص اليهود أو المنافقين أو الجميع من اليهود والمنافقين ، وأنت ترى أن السياق يدفعه . وكيف كان فالآية تشهد بسياقها على أن المراد بالحسنة والسيئة ما يمكن أن يسند إلى اللّه سبحانه ، وقد أسندوا قسما منه إلى اللّه تعالى وهو الحسنة ، وقسما إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو السيئة فهذه الحسنات والسيئات هي الحوادث التي كانت تستقبلهم بعد ما أتاهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأخذ في ترفيع مباني الدين ونشر دعوته وصيته بالجهاد ، فهي الفتح والظفر والغنيمة فيما غلبوا فيه من الحروب والمغازي ، والقتل والجرح والبلوى في غير ذلك ، وإسنادهم السيئات إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في معنى التطيّر به أو نسبة ضعف الرأي ورداءة التدبير إليه . فأمر تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأن يجيبهم بقوله « قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » فإنها حوادث ونوازل ينظمها ناظم النظام الكوني ، وهو اللّه وحده لا شريك له إذ الأشياء إنما تنقاد في وجودها وبقائها وجميع ما يستقبلها من الحوادث له تعالى لا غير . على ما يعطيه تعليم القرآن . ثم استفهم استفهام متعجّب من جمود فهمهم وخمود فطنتهم من فقه هذه الحقيقة وفهمها فقال : « فما لهؤلاء القوم لا يفقهون حديثا » . قوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ، لمّا ذكر أنهم لا يكادون يفقهون حديثا ثم أراد بيان حقيقة الأمر ، صرف الخطاب عنهم لسقوط فهمهم ، ووجّه وجه الكلام إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وبيّن حقيقة ما يصيبه من حسنة أو سيئة لذاك الشأن ، وليس للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في نفسه خصوصية في هذه الحقيقة التي هي من الأحكام الوجودية الدائرة بين جميع الموجودات ، ولا أقل بين جميع الأفراد من الإنسان من مؤمن أو كافر ، أو صالح أو طالح ، ونبي أو من دونه . فالحسنات وهي الأمور التي يستحسنها الإنسان بالطبع كالعافية والنعمة والأمن والرفاهية كل ذلك من اللّه سبحانه ، والسيئات وهي الأمور التي تسوء الإنسان كالمرض